رمضان في البليدة...

عبادة وطقوس تحفظ عبق الذاكرة

عبادة وطقوس تحفظ عبق الذاكرة
  • 53
رشيدة بلال رشيدة بلال

يكتسي شهر رمضان بولاية البليدة، نكهة خاصة تصنعها الحركية الكبيرة التي تعيشها الأسواق الشعبية بقلب مدينة الورود، حيث تفوح روائح التوابل ممزوجة بالنباتات والأعشاب العطرية، ورائحة الحلويات التقليدية المعطرة بماء الزهر. وتتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون مختلف أنواع المعجنات، خاصة منها "البوراك" و"القطايف" و"المقطفة" التي تشتهر بها الولاية. وعلى الرغم من أن أغلب العائلات تقتني حاجتها من الأسواق قبيل حلول الشهر الفضيل، إلا أن هذه الفضاءات تبقى نابضة بالحياة إلى غاية موعد الأذان الإفطار، بعدها سرعان ما تتلألأ ساحات البليدة بالأضواء. وترتفع أصوات المقرئين في مساجدها العريقة، معلنة أجواء روحانية مميزة.

"حمّام شعبان".. استعداد روحي لاستقبال الشهر

لعل من أبرز العادات والتقاليد التي لاتزال العائلات البليدية محافظة عليها عشية رمضان، عادة "حمّام شعبان" الذي يُعدّ تقليداً لا غنى عنه. ويتزامن ذلك مع إقبال الرجال والنساء على أخذ "تحميمة" في أحد الحمامات التقليدية التي ينتعش نشاطها خلال هذه الفترة. ويُعد حمّام شعبان بمثابة استعداد روحي للشروع في الصيام.

وحسب المختصة في التراث وحيدة بن يوسف رغم تراجع عدد المقبلين على الحمامات التقليدية بالنظر إلى التحولات الاجتماعية التي يعرفها المجتمع البليدي، إلا أن هذا التقليد لايزال راسخاً، خاصة في الأحياء الشعبية القديمة مثل حي الدويرات، حيث يحرص الرجال على اصطحاب أبنائهم، لا سيما الأطفال الذين يستعدون للصيام لأول مرة. 

أما النساء فتدعو ربة البيت ابنتها المتزوجة – إن وُجدت – للالتحاق بها قبل رمضان، لتعذر زيارتها خلال الشهر بسبب كثرة الالتزامات. ويتفقن مع بقية الأخوات للذهاب جماعياً إلى الحمام قبل تحضير عشاء عائلي، يكون فيه طبق "الرشتة" أو الكسكسي بالدجاج سيد المائدة، في مشهد يعكس تمسّك البليديات بلمّة العائلة والأطباق التقليدية.

المقطّفة والشاربات.. أول ما تتزين به المائدة

تحرص المرأة البليدية على أن تتصدر "شوربة المقطفة" مائدة الإفطار في الأيام الأولى من رمضان، سواء كانت قد أعدّتها مسبقاً أو اقتنتها من السوق الشعبي مع تزيينها بالقصبـر ذي الرائحة القوية والعطرة.  كما يبقى "البوراك" حاضراً، إذ لاتزال كثيرات يحضرنه بالعجين المنزلي، بينما تلجأ أخريات إلى اقتنائه من حرفيات متخصصات في صناعة "الديول". وتؤكد المختصة أن المرأة البليدية تميل دائماً إلى كل ما هو تقليدي في أطباقها الرمضانية، مفضلة "الديول" المحضرة منزلياً. 

ولا يمكن الحديث عن مائدة الإفطار دون ذكر "الشاربات"، المشروب الأساسي الذي يُحضَّر من السكر والليمون وماء الزهر وأوراق النعناع. ويُعدّ ضرورياً على المائدة البليدية لتزويد الجسم بالانتعاش والطاقة. أما بقية الأطباق فتتنوع، وغالباً ما تكون غنية بالأعشاب العطرية، مثل طبق "التبيخة"، إلى جانب أطباق تعتمد "المرقة البيضاء" التي تميز المطبخ البليدي، كـ«السفيرية" و«بطاطا كوشة" و«بطاطا فليو"، والتي يُشترط أن تقدم ساخنة، وفق تقاليد متوارَثة، تحرص ربات البيوت على احترامها.

تخضيب الأيدي بالحنّاء وتبادل الأطباق

ومن بين العادات التي لاتزال حاضرة تخضيب أيدي الأطفال وحتى كبار السن بالحناء؛ تعبيراً عن فرحة استقبال الشهر الكريم. ويتم ذلك بعد وليمة عشاء تجتمع فيها الأسرة، وأحياناً الجيران، حيث تُحضّر الحناء، وتُخضب بها الأيدي في أجواء احتفالية تعكس روح التضامن والتآلف. كما تحرص بعض العائلات في الأيام الأولى من رمضان، على تبادل الأطباق بين الجيران، أو ما يُعرف بعبارة "نذوّقو الجيران"، وهي عادة جميلة، وإن كانت – حسب المختصة – بدأت تعرف تراجعاً تدريجياً.

الأسواق الشعبية.. سر النكهة الطازجة

وتتميز البليدة خلال رمضان بحركية لافتة في أسواقها الشعبية، حيث يقصدها فلاحو المناطق الجبلية محمّلين بالخضر الطازجة والأعشاب العطرية التي تختار منها المرأة البليدية بعناية لتحضير أطباقها، حرصاً على ضمان النكهة الأصيلة. كما يُقبلن على اقتناء مختلف أنواع الأجبان المحضرة منزلياً وبالطرق التقليدية، والتي تضفي لمسة مميزة على السلطات والمقبلات، وغالباً ما يتم اقتناؤها في الساعات الأولى من الصباح. ولعل هذا هو السر في بقاء أسواق البليدة الشعبية مزدحمة  إلى وقت متأخر من اليوم.

الحلويات المعسّلة.. تقليد لا يغيب

أما مائدة السهرة الرمضانية فتتزين بأصناف الحلويات التقليدية المعسلة، على غرار "الصامصة" و«السيقار" و«القطايف" و«المحنشة"، والتي تحرص ربات البيوت على إعدادها منزلياً. 

وتجتمع العائلة حول إبريق الشاي وسط أجواء دافئة تتخللها لعبة "البوقالة"، التي تبقى من التقاليد التي تأبى الاندثار، حيث تُتلى الأبيات، ويوزَّع "الفال" على الفتيات في أجواء تملأها البهجة. ومن جهة أخرى، تعرف أزقة القصبة العريقة انتعاشاً ملحوظاً في صناعة الحلويات المعسلة، مثل البقلاوة والقريوش والخشخاش، حيث تعبق الشوارع برائحة العسل الممزوج بماء الزهر، ما يدفع الكثيرين إلى اقتنائها لتزيين موائد السهرة.

تصويم الأطفال.. فرحة البداية

ويبقى "تصويم" الأطفال لأول مرة من العادات المتجذرة في المجتمع البليدي. ففي الوقت الذي تفضل فيه بعض العائلات انتظار ليلة السابع والعشرين، تختار أخرى أن يكون الصيام الأول في اليوم الأول من الشهر. ويحظى الطفل في هذه المناسبة بمعاملة خاصة، إذ يُلبس لباساً جديداً، ويُمنع من الخروج لمتابعته وتشجيعه. وعند حلول أذان المغرب يُقدّم له كأس من الشربات توضع فيه قطعة ذهبية، سواء "اللويزة" أو غيرها من الحلي، في مشهد رمزي يعكس الفخر والاحتفاء. 

أما الفتاة فتُشرك في تحضير "شوربة المقطفة" تحت إشراف والدتها، في إشارة إلى تعليمها الطبخ، وتهيئتها لتحمّل مسؤولية البيت مستقبلاً. وبعد الإفطار تُنظم سهرة خاصة للصائم الصغير، تُحضّر فيها الحلويات التقليدية احتفاءً بهذه الخطوة الأولى في مسيرته مع الصيام. هكذا يبقى رمضان في البليدة أكثر من مجرد شهر للعبادة، بل مناسبة تتجدد فيها الروابط العائلية، وتُستحضر فيها العادات والتقاليد التي تحفظ للمدينة عبقها الأصيل، ونكهتها الخاصة.