الساقية الحمراء ووادي الذهب وطن الكِرام لا يباع ولا يشترى
- 264
بقلم : محمد فاضل محمد اسماعيل
في زمنٍ مضطرب اختلطت فيه الموازين، وأصبحت المبادئ تُقاس بالمكاسب والولاءات، يحاول البعض أن يُسقط من التاريخ ما لا يُمحى، وأن يُلبس الباطلَ ثوبَ الشرعية بقراراتٍ مدفوعة الأجر أو بمواقف تُشترى في مزادات النفوذ. غير أنّ الصحراء الغربية ليست بندًا في دفتر المصالح، ولا هبةً يمنحها من لا يملك لمن لا يستحقّ مقابل خدماتٍ سياسية، بل هي قضية وجودٍ وهويةٍ وكرامةٍ لشعبٍ يعرف جيدًا معنى أن يُولَد على أرضٍ يملكها بدمه، لا بورقة اعترافٍ من غريبٍ جاهل. فالأرض التي ارتوت بدماء ونضال أبنائها لا تُقايَض بالوظائف، ولا تُختزَل في مكالمةٍ دبلوماسيةٍ عابرةٍ لسمسار، لأنّ الحقَّ حين يسكن وجدانَ الأمة، يصبح عصيًّا على البيع والخذلان.
لقد أخطأ من ظنّ أن شرعيةَ الاحتلال ممكنة، أو أَحرى أن تُصاغ في مكاتب السياسة أو تُرسَم بخطوط التنازلات بين الغرباء عن الشرعية. فذلك النظام الغازي الذي رهَن قراره الوطني، معتديًا على شعبه، على أمل أن يمنحه من لا يملك صكَّ اعترافٍ لا يستحقّه، إنما يلهث خلف سرابٍ لا يُدركه، ويغرق في دوّامةٍ من الارتهان والاستلاب. وما أشدَّ قسوةَ أن تُختزَل حريةُ شعبٍ وسيادتُه في معادلةٍ نفعيةٍ رديئة، يكون فيها التاريخُ رهينةً، والمستقبلُ رهنًا لإرضاء القوى الكبرى. غير أنّ الحقيقة الثابتة التي لا تُغيّبها المناورات، أنّ الشعوب هي وحدَها من تُشرّع مصيرها، وأنّ كلَّ من يحاول تجاوزَ إرادتها إنما يُسجِّل اسمَه في قائمة العابرين إلى النسيان.
إن الشعبَ الصحراوي، بكلّ ما يختزنه من صبرٍ وعزيمةٍ وإيمانٍ بعدالة قضيته، لم يعد ينتظر شهادةً من أحدٍ ليثبت حقَّه، فقد أثبته في الميدان، في النضال والكلمة، وفي المعاناة والدم. هذا الشعب الذي جرّب الخذلان فلم ينكسر، وواجه العزلة فلم يتراجع، ما زال يحمل رايةَ الحرية عاليًا، مؤمنًا بأنّ الزمنَ، وإن طال، سينحاز للحق، وأنّ التاريخَ لا يُنصِف إلا من ثابر وصبر وصمد. ومن هنا، فإنّ كلَّ محاولةٍ لتزييف الحقيقة أو شرعنةِ الاحتلال ليست سوى فصلٍ مؤقّتٍ في روايةٍ نهايتها مكتوبةٌ منذ البدء: أنّ الصحراءَ الغربية لن تكون إلا لأهلها، وأنّ إرادةَ الشعوب أصدقُ من كلّ البيانات والصفقات.