موسم التحضير للامتحانات النهائية

الدروس الخصوصية.. بين حتمية النجاح وثقل التكاليف

الدروس الخصوصية.. بين حتمية النجاح وثقل التكاليف
  • 134
نور الهدى بوطيبة نور الهدى بوطيبة

مع اقتراب امتحانات شهادة التعليم المتوسط والبكالوريا تدخل الأسر الجزائرية التي يجتاز أحد أبنائها تلك الاختبارات "المصيرية"، فترة استثنائية يختلط فيها القلق بالأمل، وتتغير فيها تفاصيل الحياة اليومية بشكل واضح، حيث يصبح الحديث داخل البيوت يدور حول الدروس، والامتحانات، والنقاط، والمستقبل، والنجاح. وتتحول هذه المرحلة الى اختبار جماعي تعيشه العائلة كلها وليس التلميذ فقط. وفي ظل هذا الضغط المتزايد تبرز الدروس الخصوصية كعنصر أساسي في مسار التحضير، والتي أصبحت عند كثيرين، خطوة لا يمكن الاستغناء عنها كوسيلة لدعم القدرات، ومضاعفة احتمالات نجاح التلميذ.

وبين وقت مضى كان يعتمد فيه التلميذ على القسم والكتاب فقط، تحولت حقيقة تلك التحضيرات اليوم؛ إذ باتت تتعدد مصادر التعلم، وتغيرت فيه طرق التحضير بشكل كبير، وأصبح التلميذ اليوم يعيش بين المدرسة والدروس الخصوصية والأنترنت، يبحث عن أفضل فرصة للفهم والتفوق. لكن هذا التحول يطرح تساؤلات عديدة حول فعالية هذه الطرق، وحول الثمن الذي تدفعه العائلات من أجل مرافقة أبنائها نحو النجاح.

ولم يعد التحضير للامتحانات كما كان في السابق، حيث كان التلميذ يعتمد بدرجة كبيرة على الأستاذ في القسم، وعلى مجهوده الشخصي في البيت، في حين يلجأ البعض نحو أقسام الدروس الخصوصية التي تعمها الفوضى المنظمة، حسبما عبّر بعض الأساتذة، إذ تقام في أي مكان داخل غرفة من بيت الأستاذ، أو محل "قاراج"، في حين لم يكن هناك عدد كبير من المدارس التي تخصص أجنحة للدروس الخصوصية التي تقتصر على حالات استثنائية.

أما اليوم فقد أصبح المشهد مختلفا تماما، بل انتشرت الدروس الخصوصية بشكل واسع. وأصبح كثير من التلاميذ يسجلون في عدة مواد في نفس الوقت، خاصة المواد الأساسية؛ مثل الرياضيات، والفيزياء، والمحاسبة، والعلوم الطبيعية، وأحيانا في مواد كالتاريخ والجغرافيا واللغات. وهذا التغير يعكس التحول في نظرة المجتمع الى النجاح؛ إذ لم يعد مرتبطا فقط بالاجتهاد الفردي، بل أصبح أيضا مرتبطا بالإمكانيات المتاحة، وهو ما جعل التلميذ يعيش نوعا من الضغط المستمر لمجاراة زملائه، الذين منهم من توفرت له كل فرص النجاح والتفوق بمعدلات عالية لبلوغ كليات أو مدارس عليا حسب طموحاتهم.

الدروس الخصوصية بين الحاجة والاعتماد المفرط

يرى كثير من التلاميذ أن الدروس الخصوصية توفر لهم شرحا إضافيا، وفرصة لطرح الأسئلة التي لا يستطيعون طرحها في القسم، أو التي عجز ربما الأستاذ عن تبليغها طلابه. كما تساعدهم على فهم النقاط الصعبة، وتطبيق الدروس من خلال التمارين، وحل عدد كبير منها، وتوقُّع حينها جميع احتمالات ما سيقدَّم من أسئلة في الاختبارات. إلا أنه في المقابل، يحذّر بعض الأساتذة من تحول هذه الدروس الى اعتماد كلي، حيث يفقد التلميذ تدريجيا قدرته على التعلم الذاتي، ويصبح مرتبطا بوجود الأستاذ خارج القسم، وهو ما قد يضعف استقلاليته وثقته بنفسه، ويدفع دائما الى اعتقاد أنه دون دعم خارجي سيكون فشله حتميا في الاختبار.

لكن، بالمقابل، يبقى الاعتماد على دروس الدعم خلال الفترة التي تسبق الامتحان الأساسي، أمرا ضروريا، حسبما أكد محمد لودة أستاذ رياضيات متقاعد، يواصل تقديم دروس الدعم لتلاميذ شهادة الباكالوريا، إذ أوضح في حديثه مع "المساء"، أن التحضير في بعض المواد الأساسية والعلمية على غرار الرياضيات، يحتاج الى تدريب مستمر، مضيفا أن أغلب التلاميذ يواجهون صعوبات بسبب ضعف القاعدة الأساسية. ويؤكد أن التحضير الجيد في هذه المادة لا يقوم على الحفظ، بل على الفهم، والتكرار، والتفكير بمنطق وليس محاولة حفظ الحل فقط.

وأشار الأستاذ لودة الى أنه يركز في دروسه على إعادة بناء الأساسيات، ثم الانتقال تدريجيا الى التمارين المركبة. ويحاول دائما تغيير المعطيات حتى لا يتفاجأ الطالب يوم الاختبار بمعطيات قد تكون مختلفة. كما يشجع التلاميذ على حل أكبر عدد ممكن من التمارين، ومطالعة الامتحانات السابقة، لأن الرياضيات، حسبه، لا يمكن التحكم فيها إلا بالممارسة اليومية، مضيفا أن التلميذ الذي يكتفي بحضور الدرس دون تطبيق، لن يحقق تقدما حقيقيا أبدا.

ومن جهتها، تؤكد الأستاذة في الفيزياء مليكة صبران، أن المواد العلمية عموما، تتطلب فهما عميقا للعلاقات بين القوانين وليس مجرد حفظها، سواء الفيزياء أو الكيمياء أو غيرهما، موضحة أن التلميذ الناجح هو الذي يستطيع توظيف هذه القوانين في وضعيات مختلفة، أي لا يتفاجأ إذا حاول محضرو الاختبارات معرفة القدرات في المعادلات أو المصطلحات، لأن التلميذ يكون فهم الأساسيات، وبذلك يتم توظيفها مثل ما أراد؛ فلا يزعجه أبدا ذلك في فهمها. وشددت الأستاذة على ضرورة تنظيم وقت المراجعة، وتجنب تراكم الدروس؛ لأن الضغط في الأيام الأخيرة يؤدي غالبا الى نتائج عكسية حتى لأكثر التلاميذ تفوقاً. وأكدت أن الدروس الخصوصية يمكن أن تكون مفيدة إذا كانت موجهة، ومدروسة، لكنها لا تعوّض العمل الشخصي المنتظم، خصوصا داخل البيت، وفي أجواء هادئة.

فهم وتحليل المواد العلمية

أما أستاذ العلوم الطبيعية عبد الله فكري، فيرى أن مادة العلوم الطبيعية تعتمد، بشكل كبير، على الفهم، والتحليل، خاصة في الدروس التي تتطلب تفسير الظواهر وربطها ببعضها البعض، مشيرا الى أن التلميذ يجب أن يتعلم كيف يعبّر عن الفكرة بأسلوبه الخاص، وهنا يكون الفهم أمرا بالغ الأهمية؛ فمع التوتر والقلق يمكن أن ينسى التلميذ بعض المصطلحات، لكن فهم الموضوع يجعله يعبّر بأسلوبه الخاص. وعليه أن يعتمد على الرسومات والمخططات لتثبيت المعلومات. كما أكد أن النجاح في هذه المادة لا يتحقق بالحفظ فقط، بل يحتاج الى تدريب على تحليل المعلومات العلمية، والإجابة المنهجية، التي كثير من الأساتذة لا يركزون عليها عند تقديم الدروس الخصوصية بالرغم من أهميتها عند الإجابة يوم الامتحان.

تكلفة صامتة تثقل كاهل العائلات

وسط هذه التحضيرات تبقى الدروس الخصوصية عبءا ماليا تتحمله العائلات بصمت، وفي سبيل نجاح الطفل، كنوع من الاستثمار في الأبناء، حيث تختلف الأسعار حسب عدد التلاميذ في الفوج، ومكان الدرس، وطبيعة التقديم؛ فقد تكون في شكل أفواج كبيرة بتكلفة منخفضة نسبيا، أو في مجموعات صغيرة، أو دروس فردية ترتفع فيها التكلفة بشكل ملحوظ.

وبين هذه الخيارات تجد العائلات نفسها أمام معادلة صعبة؛ كيف توفر أفضل دعم لأبنائها دون أن يتجاوز ذلك قدرتها المادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بتلميذ في البكالوريا يحتاج الى عدة مواد في نفس الوقت، لا سيما بالنسبة للأسرة متوسطة ومحدودة الدخل، حيث تكون عادة التكاليف، حسبما وقفت على ذلك "المساء"، مختلفة باختلاف عوامل مختلفة؛ فمثلا عندما يقلّ عدد التلاميذ في الفوج ترتفع التكلفة، فقد يصل السعر الى حوالي 5 آلاف دينار شهريا للفرد لنفس عدد الساعات التي لا تتعدى ثماني ساعات؛ أي بمعدل ساعتين كل أسبوع إذا كان الفوج صغيرا في حدود خمسة تلاميذ.

أما في حال الدروس شبه الفردية التي تضم تلميذا أو اثنين فقط، فقد تصل التكلفة الى 10 آلاف دينار شهريا، خاصة إذا كانت الحصص مكثفة، أو يقدمها الأستاذ بشكل مباشر، ومخصص لطالب أو اثنين. كما تتراوح بعض الأسعار بين 1500 و3 آلاف دينار شهريا لأقسام المتوسط. وكذلك عندما يكون عدد التلاميذ كبيرا في قسم واحد، وهو خيار تلجأ اليه بعض العائلات لتقليل التكاليف، في حين تختلف الأسعار، أيضا، حسب مكان الدرس، سواء كان في منزل الأستاذ، أو داخل أكاديمية، أو بتنقُّل الأستاذ الى بيت التلميذ، وفي هذه الحال الأخيرة تكون التكلفة أعلى.


بين ضغوط التكنولوجيا وتحولات البيئة الدراسية

تلاميذ يعانون ضعف التركيز والحفظ والمراجعة الفردية

يزداد القلق داخل البيوت، خلال فترة الاختبارات، وتتكرر شكاوى الأولياء من صعوبة تركيز أطفالهم والحفظ والمراجعة، رغم وفرة الإمكانات اليوم، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات، إلا أنها لا تجدي نفعا، على ما يبدو، أمام جيل تلمس لديه تراجعا واضحا في التحصيل الدراسي، فلا مراجعة دون صراخ ولا حفظ دون دروس خارجية، ولا تفوق دون حرص شديد، وفي محاولة لفهم هذا التحول، أكد الخبير في علم الاجتماع التربوي، بلال العابد، من ثانوية "محمد لبجاوي" ببلدية برج البحري، أن ما يواجه التلميذ اليوم، ليس مجرد كسل أو ضعف إرادة، بل تداخل مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والتربوية، التي غيرت تماما طبيعة التعلم والتلميذ.

يشهد الوسط الأسري مع كل فترة اختبارات وامتحانات فصلية أو مصيرية، حالة من الاستنفار، فمع دخول التلاميذ فترة الاختبارات، تبرمج كل عائلة رزنامتها وفق جدول الامتحانات؛ تَفَرُّغ أكثر للطفل، مهام منزلية أقل، دخول المنزل باكرا، وحتى تسجيل عطل مرضية أو عطل سنوية لبعض الآباء، الذين يحاولون موافقة تلك العطل مع فترة اختبارات أطفالهم، لمساعدتهم على الحفظ والمراجعة، وكان الجميع يتجند لامتحان، كان في فترة ما اختبارا بسيطا يمر بسلام، لم يكن يستدعي كل هذا المجهود من الأولياء.

يتكرر في كل مرة الحديث داخل الأسر، عن الصعوبات التي يواجهها المتعلمون في التركيز والحفظ ومتابعة الدروس، إذ يبدأ اليوم هذا التحدي، أكثر وضوحا، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات، حين كان التلميذ يكتفي بالمراجعة البسيطة داخل البيت، دون الحاجة إلى دروس الدعم، وحين كان الأولياء قادرين، ولو بمعارف محدودة، على مواكبة أبنائهم ومساعدتهم، لكن ومع التحولات المتسارعة التي عرفها المجتمع والمنظومة التربوية، برزت أسئلة جديدة حول أسباب هذا التراجع في التركيز والتحصيل، وحول ما إذا كانت الظروف الراهنة هي التي تغيرت، أم أن طبيعة التعلم نفسها أصبحت مختلفة.

ولأجل فهم أعمق لهذه الظاهرة، حدثنا بلال العابد، خبير الاجتماع، الذي قدم في حديثه لـ«المساء"، مجموعة من العوامل التي ـ حسبه ـ أثقلت كاهل التلاميذ وأضعفت قدرتهم على متابعة دراستهم بالشكل المطلوب. يقول بلال العابد، إن الطفل في الماضي، كان يعيش في بيئة أكثر هدوء وأقل ازدحام بالمؤثرات، على حد تعبيره، فكانت قدرته على التركيز أعلى تلقائيا، فلم تكن التكنولوجيا تقتحم حياته من كل اتجاه، ولا المنصات الرقمية ومقاطع الفيديو السريعة، التي تفرض إيقاعا ذهنيا متسارعا، يؤثر مباشرة على قدرته على الانتباه لفترات طويلة. يشرح: "لقد كان التلميذ يراجع دروسه بانتظام وبإيقاع بسيط، وكان الأولياء يحرصون كل الحرص على توفير الدعم النفسي  للطفل، دون الحاجة إلى دعمه بدروس خارجية، وكانت المساحات الذهنية التي يحتاجها للحفظ متوفرة، لأن حياته اليومية لم تكن مثقلة بالمشتتات، كما هو الحال اليوم".

ويضيف الخبير، أن ما يميز الزمن السابق أيضا، هو بساطة المناهج ووضوحها، وهو ما جعل التلميذ يكتفي بالمراجعة المنزلية، دون الحاجة إلى دروس الدعم، خاصة في المستويات الأولى، فالتلميذ لا يلجأ لدروس خارجية، إلا عند اجتيازه المستوى المتوسط، أو شهادة البكالوريا، وكانت فقط في المواد العلمية؛ كالعلوم الطبيعية، الفيزياء والكمياء ومادة الرياضيات، التي هي مواد تصعب نسبيا على الكثيرين، حتى أولياء الأمور، رغم محدودية المستوى التعليمي لدى الكثير منهم آنذاك، كانوا قادرين على مواكبة أبنائهم ومساعدتهم بما توفر لهم من معرفة وتجربة، ويكتفون بمساعدتهم في البيت والمراجعة معهم.

أما اليوم، فالمفارقة، يقول بلال العابد، أن عددا كبيرا من الأولياء متعلمون ومثقفون، لكنهم يجدون أنفسهم عاجزين عن مواكبة البرامج الدراسية الحديثة، التي أصبحت أكثر كثافة وتشعبا، بل ومختلفة أحيانا تماما عما درسوه هم في طفولتهم، أو حتى أن بعض الأولياء يشتكون ضيق الوقت لمساعدة أطفالهم، ويفضلون بذلك ترك المهمة لذوي الاختصاص.

مؤثرات تشتت العقل

يؤكد العابد، أن التحصيل الدراسي تراجع بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، ليس لأن التلميذ أقل ذكاء، أو لأن المتعلم اليوم غير قادر، بل لأن المؤثرات الخارجية أكثر تأثيرا، ساهمت في تشتيت عقل الطفل، حتى أن بعض المأكولات السريعة لا تساعد أبدا على التركيز، بل بالعكس، خصوصا الحلويات والعصائر المشبعة بالسكر، و«الشيبس"، وغيرها من المواد المضرة بصحة الطفل، وأيضا سلامته الفكرية والعقلية، كلها عوامل زادت من حدة الضغط النفسي على التلاميذ، مع تعدد الواجبات والامتحانات، ومع توقعات أولياء الأمور العالية، فينشأ شعور دائم بالعجز، يجعل المراجعة عبئا أكثر منها عملية طبيعية.

ويشير إلى أن ظاهرة الاعتماد المتزايد على الحصص الخارجية، أصبحت مع الوقت، جزءا من الثقافة التعليمية، حتى أن جميع المواد تقريبا باتت محتاجة، في نظر الأسر، إلى دعم إضافي، ففي الماضي، يقول المختص، كان التركيز ينصب فقط على المواد الأساسية والعلوم أو اللغة الأجنبية، بينما اليوم، أصبح التلميذ محاصرا بدعم في كل المواد تقريبا، ما يولد لديه شعورا، بأن التعلم لا يمكن أن يتم إلا خارج المدرسة، فيفقد ثقته في قدرته الذاتية على الفهم، ويصبح يعتمد كليا على ما يلقن خارج المدرسة.

قلة النوم وراء ضعف التركيز

كما يلفت الخبير الانتباه، إلى أن التلميذ اليوم، يعيش في عالم سريع الإيقاع، لا يمنحه وقت الاستراحة الذهنية، وهذا ينعكس مباشرة على مهاراته في التذكر والحفظ، حتى قلة النوم تلعب دورا أساسيا في فقدان التركيز، فالراحة عنصر مهم لرسخ المعلومات، فكثير من الأطفال، وحتى المراهقين، يعانون اضطراب النوم، بسبب استعمال الأجهزة الآلية.