المختص في التاريخ الدكتور عبد الفتاح بلعروسي لـ«المساء":
"ينايـر" ذاكرة وهوية متجذّرة
- 344
رشيدة بلال
يرى الدكتور عبد الفتاح بلعروسي، المختص في علوم التاريخ بجامعة أدرار، أن الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية الجديدة يُعدّ تقليدًا راسخًا لدى شعوب شمال إفريقيا، وفق عادات وتقاليد متوارثة تختلف في تفاصيلها من بلد إلى آخر، غير أنها تجتمع في مجملها حول ارتباطها الوثيق بالأرض والطبيعة والموسم الفلاحي. وبالنسبة للعائلات الجزائرية، فقد أصبحت أكثر وفاءً وحرصًا على إحياء هذا الموعد التاريخي الهام، لا سيما بعد ترسيمه، حيث تعبّر من خلال مظاهر احتفالية ذات طابع اجتماعي تضامني تقليدي عن فرحتها بحلول سنة خيّرة، مفعمة بالبركة والرزق الوفير.
وحول البعد الاجتماعي والتاريخي للاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة وأهميتها في الحفاظ على هوية المجتمع ومكتسباته، وكذا تفرّد المجتمع الجزائري بالتنوع في الموروث التقليدي المرتبط بهذه الاحتفالية من منطقة إلى أخرى، كان لـ«المساء" لقاء مع المختص في التاريخ عبد الفتاح بلعروسي.
وإن كان البعض يحصر الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة ببداية التقويم الفلاحي وارتباطها بالأرض، فإن المختص في التاريخ عبد الفتاح بلعروسي يؤكد أن لهذه الاحتفالية أبعادًا عميقة ثقافية وتاريخية واقتصادية واجتماعية وفلاحية، ما يجعلها محطة هامة تُبرز ما تزخر به الجزائر من موروث يعكس أصالتها.
وبالرجوع إلى البعد التاريخي الذي يُعدّ عماد هذه الاحتفالية وأساس وجود الأبعاد الأخرى، يقول المختص بأن الاحتفال برأس السنة الامازيغية ظل احتفالًا فلاحيًا موسميًا وحدثًا تقليديًا مرتبطًا بالأرض، ولم يرتقِ إلى مرحلة التأريخ الرسمي إلا سنة 950 قبل الميلاد، عقب انتصار القائد الأمازيغي شيشناق في معركة حاسمة ضد فرعون مصر رمسيس الثاني.
قبل هذا التاريخ، كان الفراعنة يشنّون هجمات متكررة على بلاد الأمازيغ للاستيلاء على أراضيهم ونهب خيراتهم، لتُعدّ هذه المعركة أول الحروب التي يقودها الامازيغ لتحرير أراضيهم، ما يجعلها حدثًا مفصليًا في التاريخ الأمازيغي وبداية الحساب والتقويم الأمازيغي. وعليه، فإن الاحتفال بالسنة الأمازيغية يحمل رمزية حدث تاريخي راسخ في الذاكرة الجماعية، صنعه عظماء الأمازيغ وشكّل لبنة من لبنات بناء الحضارة الامازيغية.
وإذا كان البعد التاريخي يحظى بالاهتمام الأكبر ويُعدّ الأساس الأول للتأكيد على أهمية هذا الموعد التاريخي الهام، فإن البعد الاجتماعي لا يقل أهمية عنه، حيث أصبح إحياء "يناير" جزءً من الثقافة الشعبية الجزائرية وتعبيرًا عن تشبّث الجزائري بأرضه وخيراتها. ويضيف الدكتور أن المظاهر الاجتماعية لإحياء هذه المناسبة تندرج ضمن الاحتفالات الشعبية، من خلال تنظيم المهرجانات، والرقصات الشعبية، وارتداء اللباس التقليدي، كما تُعدّ فرصة لترسيخ القيم التضامنية مثل التجمع في البيت الواحد وتحضير الأطباق التقليدية التي تختلف من منطقة إلى أخرى، وتعكس التنوع الكبير لخيرات الأرض.
وتتمثل هذه الأطباق في العجائن المحضّرة من حبوب الأرض كالقمح والشعير، أو من الحشائش والحبوب الجافة، إضافة إلى الفواكه المجففة، كما تشكّل المناسبة فرصة لإنهاء الخصومات، وإقامة مجالس الصلح، وتعزيز قيم التآزر الاجتماعي من خلال جمع الصدقات وتوزيعها، أو ما يُعرف بـ«الوزيعة".
أما فيما يخص البعد الاقتصادي والعلمي، الذي لا يقل بدوره أهمية، فيشير المختص في التاريخ إلى أن "يناير" يُعدّ محطة أساسية لانطلاق نشاط يُشكّل ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني، وهو النشاط ألفلاحي، من خلال الاهتمام بالأرض، وغرس الأشجار، وتربية المواشي، والشروع في العناية بالمحيط الزراعي، والبحث عن سبل تحسين الإنتاج، في جو يسوده التعاون والتفاؤل بموسم فلاحي واعد ومربح.
ويبرز البعد العلمي، في ما يعكسه الفلاح من احترام للأرض ومنتجاتها، ودعم جهود المجتمع في البحث عن آليات حماية البيئة ومكافحة تلوثها، خاصة وأن تلوث الأرض أصبح يُعدّ من أخطر أنواع التلوث لما له من تأثير مباشر على صحة الإنسان وكل من يقتات من خيراتها.
بخصوص الاختلاف الظاهر في طرق الاحتفال من حيث العادات والتقاليد بين المناطق، أوضح بلعروسي أن هذا التنوع الكبير يُعدّ مصدر ثراء ثقافي تنفرد به الجزائر، ويعكس أصالة المجتمع. وبحكم انتمائه إلى منطقة الجنوب، وتحديدًا ولاية أدرار، يرى أن الاحتفال هناك يُجسّد الارتباط العميق بالأرض وما تجود به من خيرات، وهو ما يظهر في الولائم التي يتم تحضيرها، مثل خبز "النور" و«خبز القلّة"، ووجبة "المردود" التي تحتوي على الفول واللحم، وطبق "الطمينة" المصنوع من التمر المسحوق، وكلها أطباق تُحضّر مما ينتجه الفلاح من أرضه.
كما تعرف المنطقة رقصات البارود التي يجتمع فيها أهل القصر على إيقاعات وأهازيج فلكلورية مميزة، إضافة إلى رقصات "القرقابو" وغيرها من الوقفات الفلكلورية التي تجمع سكان القرية، ليكون المشهد أشبه بعرس بهيج.
ويختتم المختص في التاريخ حديثه بالتأكيد على أن الاحتفال بالسنة الأمازيغية الجديدة يحمل دعوة صريحة للعودة إلى خدمة الأرض وتقديس المهن المرتبطة بها كما قدّسها الأجداد، خاصة في ظل عالم يتجه اليوم إلى الاستثمار في الاقتصاد الغذائي لتحقيق الاكتفاء الذاتي. مؤكّدًا أن المقصد الحقيقي من إحياء يناير، هذه المناسبة الأمازيغية، هو صون الذاكرة الجماعية، والحفاظ على الموروث الثقافي، وترسيخ قيم خدمة الأرض واحترامها.